ابن خلدون
45
رحلة ابن خلدون
للقارئ وضوحا لا يشوبه غموض ؛ وهي محاولة كان دون تحقيقها - كما قال الأول - خرط القتاد . ولا أجرؤ على دعوى أنني حققت المنهج من ألفه إلى يائه ، فقد عجزت عن تحديد أمكنة - مرت بي - على الطريق الذي حاولت أن ألزم به نفسي ، فاكتفيت بتحديد « ياقوت » - لا أجرؤ على قول ذلك ، ولكنني أزعم أن كثيرا من الأماكن التي ذكرت في هذا الكتاب أمكن تحديدها بحيث يستطاع وضع اليد على مكانها اليوم بالمصورات الجغرافية الحديثة . * * * وذكر ابن خلدون - فيما ذكر في كتابه - شيوخه الذين تخرج على أيديهم ، وحلّاهم بحلى كانت ، عند تقديرها ، موضع الريبة والشك يوم تناول ابن خلدون النقد الحديث . وقد أحسست أن عليّ تجاه ذلك أن أعرض رأي ابن خلدون في شيوخه ، وتقديره لهم ، على كتب التراجم والطبقات ، وأن أزن ما أورده فيهم - بالذي يورده غيره ؛ فإذا ما خالفه أتيت بالنص المخالف ، وأشرت إلى موضع الترجمة المخالفة ، أما حين يوافقه غيره ، فقد اكتفيت بالدلالة على موضع الترجمة . وأحب أن أقول هنا : إنه ، من بين هذه المراجع جميعا ، لم يخالف رأي ابن خلدون فيما علمت - في الحلى التي خلعها على شيوخه من تزكية ، وتفوق وبلوغ الدرجات العلى في فرع الثقافة الإسلامية التي اختص كل منهم بإتقانه ، أقول لم يخالفه في ذلك إلا شخص واحد ، وفي مسألة واحدة ، على أن كثيرا من العلماء نظر إلى المسألة ذاتها بالعين التي كان ينظر إليها بها ابن خلدون . والمسألة هي : « هل كان لناصر الدين المشدالي بصر بعلم الحديث أو لا ؟ قال ابن خلدون - وقد روى عنه الموطأ - : نعم ! وقال العلامة الرحالة العبدري في رحلته : لا ! والذي يعرف سعة اطلاع العبدري ، وموهبة النقد النافذ التي كان يتمتع بها - لا يسعه إلا أن يضع رأيه - على الرغم من انفراده به - موضع التقدير . * * * والذين تحدثوا عن ابن الخطيب - رحمه الله - قالوا إنه كان مولعا - في كتابته -